|
دخلت الحكومة الإلكترونية حيز التنفيذ قبل الإعلان الرسمي عنها، باستخدام البريد الإلكتروني، وفتح مواقع "الواب"، وإصدار الملفات في الشكل الرقمي بدلاً من الورق، واقتراح خدمات للجمهور بوسائل آلية…
لذا أرادت الحكومات تحديد سياسة شاملة مستقبلية لتطوير العمل الإلكتروني وتوظيفه لخدمة المواطنين في المعاملات اليومية؛ وفي هذا النطاق بادرت إمارة دبي بإطلاق "مشروع حكومة دبي الإلكترونية في غضون 18 شهراً"(1)، وأصبح المشروع حقيقة بعد أشواط سريعة قادته إلى تخطيط 70% من الخدمات الإدارية بالطريقة الإلكترونية في سنة 2005.(2)
كما يطمح مركز الوثائق والبحوث بديوان رئيس الدولة من جهته إلى تقديم خدماته للباحثين عبر العالم بنشر سبعة ملايين وثيقة تاريخية في Internet بعد التصوير الرقمي، وهذا العمل الجبار يعتبر الأول من نوعه على المستوى العربي بل حتى على المستوى الدولي.(3)
وقامت الحكومة الفرنسية من جهتها بوضع برنامج يشمل 140 إجراءات تهدف إلى تطوير الإدارة الإلكترونية في غضون سنة 2007 (4)، قصد تسهيل كل الخدمات الإدارية المتجهة إلى الجمهور، ليتمكن المواطن من مخاطبة كل الإدارات وتلبية حاجاته الإدارية بدون الخروج من بيته مكتفياً باستخدام الكمبيوتر الشخصي!(5)
كما شرعت الحكومة البريطانية بتحديد سياسة للوصول إلى الحكومة الإلكترونية في نهاية السنة الجارية أي 2004 (6)، وكلفت مؤسسة الأرشيف الوطني البريطاني بمتابعة العملية وبتوفير المقاييس لإدارة الأرشيف الإلكتروني على مستوى كل مؤسسات الدولة (7). عند زيارتي للأرشيف الوطني البريطاني (PRO) في بداية شهر أغسطس 2003، تجولت عبر أربعة أقسام أنشئت لتنفيذ هذه المهمة:
1- قسم سياسة الأرشيفالإلكتروني؛ 2- قسم إدارة الأرشيف الإلكتروني المنتج منذ 30 سنة؛ 3- قسم التصوير الرقمي للأرشيف؛ 4- قسم إتاحة الأرشيف الإلكتروني عبر شبكة Internet.
وبصفة عامة، أسست المجموعة الأوروبية هيئة لتوحيد الجهود في مجال تطوير الأرشيف الإلكتروني لحماية التراث الثقافي "ERPANET".(8)
أما الولايات المتحدة الأمريكية دخلت رسمياً في عهد الحكومة الإلكترونية بموجب قرار رئاسي صدر بتاريخ 17 ديسمبر 2002، وتهدف السياسة الجديدة إلى تقنين العلاقات الإلكترونية بين الحكومة والمواطنين (Government to citizen)، وداخل الحكومة بين الإدارات المعنية بخدمات الجمهور(Government to government)، وبين الحكومة وقطاع الأعمال (Government to business).(9)
وقامت منظمة اليونسكو(UNESCO) من جهتها بفتح صفحة بموقعها خاصة بالحكومة الإلكترونية نتطرق إليها فيما بعد.
أحدث هذا التطور السريع في العالم الإلكتروني تساؤلات جديدة مرتبطة بالشكل الجديد (الرقمي) للأرشيف:
- ما هوالأرشيف الإلكتروني؟
- ما هي الدعامات (الوسائط) المستخدمة؟
- ما هي مدة حياة هذه الدعامات؟
- كيف تحدد مدة حفظ الأرشيف الإلكتروني؟
- ما هي طرق الحفظ؟
- هل يمكن إتلاف الأرشيف الإلكتروني؟
- ما هي شروط الإطلاع عن الأرشيف الإلكتروني؟
- ما هومصير الأرشيف التقليدي على الورق؟
- هل يجب تصويره في الشكل الإلكتروني؟
- ما هي قانونية الإمضاء الإلكتروني؟
- إلىأخره…
في الواقع، تتعلق بعض الأسئلة المطروحة بالأرشيف بصفة عامة مهما كان شكله وليس بالأرشيف الإلكتروني فقط؛ وتطرقنا في دراسة سابقة إلى هذا الموضوع (10).
لذا نكتفي فقط بذكر المراحل الأساسية التي يمر عليها الأرشيف منذ تاريخ إنتاجه إلى غاية تاريخ تحديد مصيره النهائي:
- المرحلة الأولى أوالعمر الأول في حياة الأرشيف، حيث الوثيقة تستعمل يومياً بمكان إنتاجها، وتبقى في نفس المكان لمدة خمس سنوات على الأقل؛
- المرحلة الثانية أوالعمر الثاني، حيث الوثائق تصبح مرجعاً تحفظ خارج مكان إنتاجها، في مركز الحفظ المؤقت (للأرشيف الوسيط) لمدة تتراوح بين 5 و15 سنة؛
- المرحلة الثالثة والأخيرة، حيث يقرر المصير النهائي للأرشيف: الحفظ الدائم في مؤسسة الأرشيف الوطني أوالإتلاف حسب قوانين الدولة وليس حسب قرارات المؤسسات.
يحول الأرشيف بعد المرحلة الأولى من حياته خارج الإدارة المنتجة لسبب اقتصادي: توفير المكان للأرشيف الجديد، ويحفظ لمدة معينة حسب أهميته للإدارة في مركز الأرشيف الوسيط، قبل تحديد مصيره النهائي.
فجرت اليوم هذه النظرة التقليدية مع انتشار الأرشيف الإلكتروني الذي لم يتطلب مساحة كبيرة للتخزين في شكله الجديد (الدعامات الحديثة)، وبالتالي لم تقلق الإدارة من وجوده داخل المؤسسة، ولا ترى ضرورة تحويله في مركز الأرشيف الوسيط خارج مكاتبها. إذا حددت في الماضي ثلاث مراحل في حياة الأرشيف التقليدي (على الورق)، ينحصر عمر الأرشيف الإلكتروني اليوم في مرحلة واحدة حيث يحفظ في مكان إنتاجه لمدة طويلة بدون أي تحويل.
ومن هنا ينبثقالخطر، إذ يصبح الأرشيف الإلكتروني مهدداً بالإتلاف ليس عشوائياً كما وقع هذا بالنسبة للأرشيف التقليدي على الورق (11)، ولكن بسبب هشاشة الدعامات الإلكترونية، أوحتى بسبب نسيانه في أعماق الكمبيوتر!
أوبعبارة أخرى، إذا تمكنت الإنسانية بحفظ ذاكرتها التاريخية لمدة آلاف السنين في الأشكال التقليدية (الصلصال – البازلت – الورق البردي – الرق – الورق المخطوط – الورق المطبوع)، هل بإمكانها اليوم – وهي تمتلك قدرات تكنولوجية جد متطورة – حفظ وحماية ذاكرتها الإلكترونية لنفس المدة؟
إذ لم تؤخذ بعين الاعتبار قضية حفظ الأرشيف الإلكتروني وحمايته في المدى الطويل، فربما تفقد الكثير من المؤسسات ومن ثم الدولة ذاكرتها الإلكترونية لندخل في تناقض لم يطاق: نظهر اليوم ومع التطور التكنولوجي السريع عاجزين على حماية ذاكرتنا من الإتلاف، ونصبح أقل قدرة من أسلافنا – الذين كانوا يفتقروا لأي تكنولوجيا – لمواصلة الرسالة التاريخية للأجيال الصاعدة!
إن الأرشيف التقليدي (الورق) يمتاز بوجوده المادي (الجسماني) ولوأنه محفوظ في ظروف سيئة، بينما يظهر الأرشيف الإلكتروني معاق بحكم عدم رؤيته ماديا (جسمانيا)ً وبضرورة وجود وسائط وبرامج وأجهزة لاسترجاعه؛ وهذه الوسائل الآلية تفقد يوم بعد يوم صلاحياتها نتيجة للتطور التكنولوجي المستمر الذي يرمي إلى "الخردة" كل الوسائط (الدعامات) والبرامج والأجهزة المستخدمة بعد مدة قصيرة من الاستعمال (ثلاث سنوات بالنسبة للبرامج وعشر سنوات بالنسبة لأحدث الوسائط!).
إذ يجب علينا أن نرافق التطور التكنولوجي، يفترض علينا أيضاً أخذ كل التدابير لحفظ البيانات الإلكترونية وحمايتها من الإتلاف، ولهذا الغرض يجب تحديد سياسة واضحة لإدارة الأرشيف الإلكتروني لتبقى البيانات الرقمية جاهزة في كل وقت للاستخدام والاسترجاع في العمل اليومي، ومحفوظة في أحسن الظروف لتتحول مع مرور السنين إلى ذاكرة تاريخية نسلمها "كاملة" للأجيال الصاعدة.
ولعله من الأرجح أن تنسق كل الجهود في إطار منظمة اليونسكوالتي فتحت صفحة خاصة للحكومة الإلكترونية ونشرت دراسة حول تطبيق الإدارة الإلكترونية في 15 بلداً عبر العالم موزعين في كل القارات.(12)
يفترض الأرشيف الإلكتروني توفير دعامات متنوعة مصحوبة بالبرامج (Software) والأجهزة (Hardware) المناسبة لفتح الملفات وقراءة البيانات؛ وهذه الدعامات تتطور باستمرار إذ تلغى الأجيال الحديثة من الدعامات تلك التي سبقتها، كما تتحول بسرعة كل البرامج والأجهزة؛ الشيء الذي يعسر استخدام الأرشيف الإلكتروني إذا لم تتوفر جهود مستمرة لمتابعة التغيرات والتطورات التكنولوجية.
نقدم في هذه الفقرة أنواع الدعامات (Media) الموجودة في السوق حالياً، لنتطرق في البند الموالي لموضوع طول عمر الدعامات (أي مدة صلحياتها).
أ- القرص المرن (Floppy) وهوالكثير الاستعمال من قبل الأشخاص في المعاملات اليومية، وطاقته تسمح له بتخزين Ko1.475 من الأرشيف الإلكتروني؛
ب- القرص المدمج (CD)، وطاقته (0 MB70) تساوي 474 أقراص مرنة؛
ج- القرص دي في دي (DVD) وطاقته تساوي سبعة 4,7 GB =CD؛
د- كاسيت (DLT) ويمكنها تخزين ما يعادل 150 CD= 105 GB؛(13)
هـ- إصبع التخزين الخارجي (USB- Stick)، آخر تكنولوجية لتخزين الأرشيف الإلكتروني وحجمه أقل من قلم حبر؛ تتراوح طاقة التخزين من MB32إلى .4 GB
نضيف إلى هذهالدعامات المنقولة، الأجهزة الثابتة: القرص الصلب (Hard Disk Drive) والجهاز المركزي SERVER (المزود المركزي للبيانات).
تستعمل كل هذه الدعامات لتخزين الأرشيف في الشكل الرقمي، ولكن يبقى تخزين الأرشيف في الشكل القياسي سائر المفعول (الميكروفيلم)، ونرجع إلى هذا الموضوع في الجزء الأخير المتعلق بالخيارات في مجال سياسة الأرشيف الإلكتروني.
كثيراً ما نسمع من قبل التجار بأن لدعامات الإلكترونية تبقى صالحة للاستخدام لمدة طويلة تقاس بالعشرات السنين، بينما يعودون بعد سنتين أوثلاثة فقط ليقترحوا لنا تقنيات جديدة تخلف الدعامات القديمة. لذا يقاس طول عمر الدعامات حسب المعطيات العلمية وليس حسب الاشهارات السوقية.
وكل التحاليل في هذا الموضوع تقودنا إلى حقيقة لا مفر منها: الأمر لم يتعلق بطول عمر الدعامات بقدر ما هومرتبط بطول عمر البرامج (Software) والأجهزة (Hardware) التي يجب توفيرها لقراءة الدعامات.
|